محمد أبو زهرة
3549
زهرة التفاسير
هذا تشبيه تمثيلى جار مجرى الأمثال ، كما قال تعالى : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ( 45 ) [ الكهف ] . شبه حال الدنيا في سرعة انقضائها وانخداع المغرور بها ، كزرع نبت في الأرض من اختلاط ماء السماء بها وسريانه في نباتها حتى إذا أخذت زخرفها ولمعت لمعان الذهب وازينت بالغروس من كل لون ، وفرحوا بها وظنوا أنهم تمكنوا فيها - أتاها أمر اللّه فأزال زرعها بوباء أو بآفة فصارت كأنها قد حصدت بمنجل ، وأصبحت قفرا خاليا كأن لم يكن فيها زرع نبت ردحا من الزمان ، وهذا مثلهم في الدنيا لا يبقى لهم منها إلا الحسرة والندامة ، مثل ما بقي من الزرع الذي فنى حيث يرتقبون منه الانتفاع . هذه خلاصة التمثيل القرآني وما نحسب أننا وصلنا إلى غاية بيانه فله إشارات بيانية نعيا عن بلوغها ، وأطياف نورانية يعيا المصور عن تصويرها إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا أي حالها في سرعة انقضائها وقت زينتها والاغترار بها . إِنَّما دالة على القصر ، وخصصت بهذا الحال لبيان حقيقتها ، وهي أنها فانية عند ازدهارها ، أي ليست بها صورة بقاء قط إنما حقيقتها الفناء . كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ قصد بالسماء هنا ما علا الأرض وأحاط بها ، والماء هو المطر وقد يكون عينا تنبت الزرع والكلأ وغراس الأرض . فَاخْتَلَطَ هناك قراءة بالوقف عليها ، والمعنى أنه نزل على الأرض ماء اختلط بترابها فأخصبه للزرع والنبات وإثمار الغراس ، وقوله تعالى بعد ذلك : مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ ( من ) بيانية ، لبيان نتيجة الاختلاط .